محمد بن وليد الطرطوشي

232

سراج الملوك

الباب السابع والعشرون في المشاورة والنصيحة وهذا الباب مما يعدّه الحكماء من أساس المملكة ، وقواعد السّلطنة ، ويفتقر إليه الرئيس والمرءوس ، وقد ذكرناه في باب الخصال الفرقانية ، ونذكر هاهنا فوائدها ومحاسنها . اعلموا أن المستشير ، وإن كان أفضل رأيا من المشير ، فإنّه يزداد برأيه رأيا ، كما تزداد النار بالسّليط « 1 » ضوءا ، فلا يقذفنّ في روعك أنك إذا استشرت الرجال ، ظهر للنّاس منك الحاجة إلى رأي غيرك ، فيمنعك ذلك عن المشاورة ، فإنّك لا تريد الرأي للفخر به ، ولكن للانتفاع به ، فإن أردت الذّكر كان أفخر لذكرك ، وأحسن عند ذوي الألباب لسياستك أن يقولوا : لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوانه . ولا يمنعك عزمك على إنفاذ رأيك ، وظهور صوابه لك عن الاستشارة ، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام ، أمر بذبح ابنه عزمة « 2 » لا مشورة فيها ، فحمله حسن الأدب ، وعلمه بموقعه في النّفوس على الاستشارة فيه ، فقال فيه : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى [ الصافات : 102 ] وهذا من أحسن ما يرسم في هذا الباب . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الرأي الفرد كالخيط السحيل « 3 » ، والرأيان كالخيطين ، والثلاثة آراء لا تكاد تنقطع . ويروى أن روميا وفارسيّا تفاخرا ، فقال الفارسيّ : نحن لا نملّك علينا من يشاور ، وقال الروميّ ، ونحن لا نملّك علينا من لا يشاور . وقال بزرجمهر : إذا أشكل الرأي على الحازم كان بمنزلة من أضلّ لؤلؤة ، فجمع ما حول مسقطها ، فالتمسها فوجدها ، كذلك الحازم ، يجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ، ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص له الصواب .

--> ( 1 ) السليط : زيت جيد يستعمل للإضاءة . ( 2 ) العزمة : ما عقد العزم على فعله . ( 3 ) الخيط السحيل : الحبل الذي فتل فتلا واحدا فيكون غير شديد .